الشيخ محمد رشيد رضا

305

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الخزي لا يدل على ما ذهبوا اليه . وأما كلمة إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ فهي ثناء ختم به الدعاء ولا شك أن الوعد يصيبهم إذا قاموا بما ترتب هو عليه من الايمان والعمل الصالح فان الوعد كما قال الرازي « لا يتناول آحاد الأمة بأعيانهم بل انما يتناولهم بحسب أوصافهم » وقد قال تعالى في الوعد بسيادة الدنيا ( 24 : 55 وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ) الآية وقال فيه ( 47 : 7 إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ) وقال في الوعد بسعادة الآخرة ( 9 : 72 وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ ) الآية وقد ذكرت كلها آنفا ، وفي معناها آيات كثيرة ؛ فكل من الوعدين مترتب على الايمان وعمل الصالحات ، ولكن المحرفين لدين اللّه يجعلون كل جزاء حسن للأفراد بحسب ذواتهم أو ذوات غيرهم من الصالحين الذين يدعونهم ويتوسلون بهم فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى عطف استجابته لهم بفاء السببية فدل على أن ما ذكر من شأنهم هو الذي أهلهم لقبول دعائهم قال الأستاذ الامام ، ما مثاله مع زيادة في مسألة الرجل والمرأة : استجاب دعاءهم لصدقهم في الايمان والذكر والفكر والتقديس والتنزيه والوصول إلى معرفة الحياة الآخرة وصدق الرسل وإيمانهم بهم وشعورهم بعد ذلك كله بأنهم ضعفاء مقصرون في الشكر للّه محتاجون مغفرته لهم وفضله عليهم وإحسانه بهم بايتائهم ما وعدهم . ولكن هذه الاستجابة لم تكن بعين ما طلبوا كما طلبوا ولذلك صورها وبين كيفيتها وهذا التصوير لحكمة عالية وهي أن الاستجابة ليست إلا توفية كل عامل جزاء عمله لينبههم بذكر العمل والعامل إلى أن العبرة في النجاة من العذاب والفوز بحسن الثواب إنما هي باحسان العمل والاخلاص فيه فان الانسان قد تغشه نفسه فيظن أنه محسن وهو ليس بمحسن وأنه مخلض وما هو بمخلص وأن حوله وقوته قد فنيا في حول اللّه وقوته وأنه لا يريد إلا وجهه تعالى في كل حركة وسكون ، ويكون في الواقع ونفس الأمر مغرورا مرائيا . وذكر أن الذكر والأنثى متساويان عند اللّه تعالى في الجزاء متى تساويا في العمل حتى لا يغتر الرجل بقوته ورياسته على المرأة فيظن أنه أقرب إلى اللّه منها ولا تسىء « تفسير آل عمران » « 20 رابع » « س 3 ج 4 »